فخر الدين الرازي

502

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يجوز أن يكون مشروعا للجزاء لقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ولقوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ولقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية ، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على الشرعية قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة واللّه أعلم . الصفة السادسة : من صفات ذلك اليوم قوله لا ظُلْمَ الْيَوْمَ والمقصود أنه لما قال : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم ، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها : أن يستحق الرجل ثوابا فيمنع منه وثانيها : أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام وثالثها : أن يعذب من لا يستحق العذاب ورابعها : أن يكون الرجل مستحقا للعذاب فيعذب ويزاد على قدر حقه فقوله تعالى : لا ظُلْمَ الْيَوْمَ يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة ، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالبا وشاهدا إلا من اللّه ، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جدا ، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب . وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال واللّه أعلم . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 18 إلى 22 ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوها الأول : أن يوم الآزفة هو يوم القيامة ، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله في صفة يوم القيامة أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ [ النجم : 57 ، 58 ] وقال شاعر : أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها ، وما هو كائن فهو قريب .